الشيخ محمد النهاوندي

475

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ حثّ سبحانه خصوص النبي صلّى اللّه عليه وآله بذكر أكمل نعمه بقوله : سَنُقْرِئُكَ يا محمد ، ونتلو عليك القرآن الذي فيه علوم الأولين والآخرين ، وما يكون وما هو كائن ، وجميع ما يحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة فَلا تَنْسى شيئا منه أبدا ، بل هو باق في حفظك ، فلا تخف من نسيانه إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ أن تنساه ، ولا يشاء ذلك أبدا ، وإنّما الفرض من الاستثناء إظهار أنّ بقاءه في حفظه لا يكون إلّا بمشيئته وفضله عليه لا بقدرة نفسه . عن ابن عباس قال : كان النبي صلّى اللّه عليه وآله إذا نزل عليه الوحي يقرأه مخافة أن ينساه ، فكان لا يفرغ جبرئيل من آخر الوحي حتّى يتكلّم هو بأوله ، فلمّا نزلت هذه الآية لم يئس بعد ذلك شيئا « 1 » . ثمّ أخبر سبحانه بأنّه مخيّر بين الجبر في القراءة وإخفاته بقوله : إِنَّهُ تعالى يَعْلَمُ الْجَهْرَ إن جهرت بالقراءة وَ يعلم ما يَخْفى من قراءتك . وقيل : إنّ المعنى أنّه عالم بجهرك في القراءة مع جبرائيل ، وعالم بالسرّ الذي في قلبك « 2 » . وَنُيَسِّرُكَ ونوفّقك لِلْيُسْرى والطريقة الأسهل في حفظ القرآن ، أو للشريعة التي هي أسهل الشرائع . وعن ابن مسعود : اليسرى الجنّة ، والمعنى نيسّرك للعمل المؤدّي إليها « 3 » . [ سورة الأعلى ( 87 ) : الآيات 9 إلى 13 ] فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى ( 9 ) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى ( 10 ) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ( 11 ) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى ( 12 ) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى ( 13 ) ثمّ لمّا بيّن سبحانه لطفه بنبيّه صلّى اللّه عليه وآله بنزول القرآن ، أمره بدعوة الخلق إليه بقوله : فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى والعظة فيهم ، والنّكتة في ذكر هذا الشرط مع وجوب العظة عليه نفعت أو لا تنفع ، حثّ الناس على الاتّعاظ ، وإن كان فيه فائدة إتمام الحجّة . وقيل : إنّ فائدته تنبيه الرسول صلّى اللّه عليه وآله بأنّ الذكر لا ينفعهم ، كأنّه قال : ذكّرهم إن نفعت الذكرى ، ولا أرى أن تنفعهم « 4 » . ثمّ بيّن سبحانه المنتفعين بالعظة بقوله : سَيَذَّكَّرُ وينتفع البتة بذكرك وعظتك مَنْ يَخْشى اللّه والرجوع إليه بعد الموت ، وهو الذي لا يقطع بعدم البعث ، ولمّا كان القاطع غير معين يجب تعميم العظة .

--> ( 1 ) . مجمع البيان 10 : 720 ، تفسير الصافي 5 : 317 . ( 2 ) . تفسير الرازي 31 : 142 . ( 3 ) . تفسير الرازي 31 : 143 . ( 4 ) . تفسير الرازي 31 : 144 .